الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

29

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

كلمة موجزة في الأنساب عرّف العالم الاجتماعي ابن خلدون علم النسب بقوله : هو العلم الذي يبحث في تناسل القبائل والبطون من الشعوب ، وتسلسل الأبناء من الآباء والجدود ، وتفرع الغصون من الأصول في الشجرة البشرية ، بحيث يعرف الخلف عن أي سلف انحدر والفرع عن أي أصل صدر . وأمّة العرب التي بذّت سائر الأمم ، هي المجلية في هذا المضمار ، بحفظ أنسابها ومعرفة أصولها ، بحيث صارت فيها شنشنة لا تعرف إلا بها ، وغريزة راسخة في أعقابها ، وتعتبر حفظ النسب ميزة تمتاز بها عن غيرها من الأمم ، وفضيلة تعتز بها وتفتخر ، حتى بالغت في الفخر والمباهاة بذلك ، إلى أن حفظته عن ظهر قلب ، هذا كما حصرت بزبره في صميم الأحجار وعلى لوحات الرخام وصفحات الصخور ، كما يوجد في أنقاض مدائن حمير وحضارة سبأ . وتداولتها الأجيال ، ونقله الخلف عن السلف ، حتى يوم الناس هذا ، لا زال معروفا عندنا معاشر اليمنيين ، لا سيما في بادية همدان وخولان وبعض بلد حمير ، وما صاقب ذلك من بلد مذحج ، فإنك لتجد الفلو الصغير من الصبيان واليافع من الشبان والكهول والشيوخ ، إذا سألته عن نسبه وتدريجه ، رفعه لك إلى قبيلته المشهورة ، وقد يرفعه إلى آدم أبي البشر عن ظهر قلب ، وفي غير ما تلكؤ وتردد ، بل إذا تقاعس عن سرده أو حفظه عدّوه عيبا ونقصا . كما أن البيوتات والأشراف تضع لوحة على قبور النابهين منها تذكر فيها نسبه وشيئا من حياته . والعرب إذ تحتفظ بالأنساب والاعتزاز بها إلى أبعد حد ، حداها الأمر أن لا تقتصر على بني الإنسان وأبناء جلدته وجيله ، بل تخطت ذلك إلى حفظ أنساب عتاق الخيل والصافنات الجياد ، فإنها تسرد نسب الفحل أبا فأبا ، إلى أبعد جد شهر بالجودة والأصالة ، وقد تتعرض إلى عتاق الأمهات ، وإلى هذا العهد معروف . هذا كله في البادية ، أما الحواضر فليس الأمر بهذه الدرجة من الضبط ، إلّا القليل النادر ، لأن الحواضر والمدن تذوب فيها الفوارق ، بخلاف البادية التي تحصل فيها المفاخرة بالآباء وشرف الأسلاف والأمهات والأجداد ، ويحتمون بحمية الجاهلية الأولى . أما الحواضر فقلما يعنون بهذه الناحية ، وإنما يفخرون بحلية العلم والصناعات والحرف ، وبما يكفل لهم السلطان من أمن ودعة وحفظ الدماء والأعراض ، اللهم إلا أهل البيوتات والشرف ، فإن لديهم هذه النعرة ، إلا أنهم قد نهجوا طريقة أخرى للإبقاء على حفظ النسب خالدا مدونا ، وهو ما يسميه العامة عندنا معاشر اليمنيين ب « المجلدّة » وعند الخاصة « بالمشجر أو المشجرة » وهي عبارة عن